يحيي بن حمزة العلوي اليمني
202
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
علم بدلالة أخرى ، ومن أجل هذا فرق علماء الشريعة بين صريح القذف وكنايته ، وتعريضه ، فأوجبوا في الصريح من القذف الحد مطلقا في قولك : يا زانى ، وأوجبوا في كنايته الحد إذا نوى به في مثل قولك : يا فاعلا بأمه ، ويا مفعولا به ، ولم يوجبوا في التعريض الحد في مثل قولك . يا ولد الحلال ، وما ذاك إلا لأجل أن الصريح والكناية ، يدلان على القذف من جهة اللفظ ، إما بالحقيقة ، أو بالمجاز ، ويحكى عن الإمام الناصر أن رجلا قال لرجل بحضرته . يا ولد الحلال ، فلم يحده ، واعتذر بأنه لا حد في التعريض ، فصار التعريض وإن لم يكن معدودا من المجاز ، لكنه أخص من الكناية ، ولهذا فإن كل تعريض كناية ، وليس كل كناية بتعريض ، فهي أعم منه ، والكناية بالإضافة إلى الاستعارة خاصة ، ولهذا فإن كل كناية فهي استعارة ، وليس كل استعارة تكون كناية ، لما كانت أخص منها ، فأما التشبيه المضمر الأداة والاستعارة التي لا يظهر فيها مقصود التشبيه ، فهما نوعان لا يدخل أحدهما تحت الآخر ، لكن التشبيه المضمر الأداة ، يمكن اندراجه تحت التشبيه ، لما كان التشبيه مقدرا فيه ، ويمكن اندراجه تحت الاستعارة لما كان حرف التشبيه غير ظاهر فيه ، فإذن حقيقته منحدرة إليهما كما ترى ، وقد أسلفنا فيه قولا بالغا يطلع على السر والغاية ويفي بالمقصود وإحراز النهاية ، ثم إنها مندرجة تحت المجاز ، لأنها أنواعه وهو جنسها ، فهذا ما أردنا ذكره في التعريض ، وهو الفصل الثاني . الفصل الثالث في بيان أمثلة الكناية ، وذكر شواهدها ولها شواهد وأمثلة من جهة الكتاب ، والسنة ، وكلام أمير المؤمنين ، وكلام البلغاء ، والكنايات الشعرية ، فهذه أنواع خمسة . ( النوع الأول ) في بيان ما ورد من الكنايات القرآنية فمن ذلك قوله تعالى : أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [ الحجرات : 12 ] فهذه الآية قد اشتملت على نكت سبع ، كلها دالة على حسن المطابقة لمقصد الكناية التي وقعت من أجله ، نفصلها بمعونة الله تعالى .